الشيخ السبحاني
58
مفاهيم القرآن
الثاني : ما معنى القضاء ؟ أمّا القدر بمعنى التقدير والتحديد ، فكل ظاهرة طبيعية بل كلُّ موجود إمكاني خلق على تقدير وتحديد خاص ، ولا يوجد في عالم الكون شيء غير مقدّر ولا محدّد ، وإليه يشير سبحانه بقوله : « اّنا كُلَّ شَيءٍ خَلَقْناهُ بِقَدَر » « 1 » . وقوله سبحانه : « وَإِنْ مِنْ شَيءٍ إِلّا عِنْدنا خَزائِنُهُ وَما نُنَزِّلُهُ إِلّا بِقَدَرٍ معَلُوم » . « 2 » فالموجودات من النبات إلى الإنسان محدّدة بالحدّ الذي نعبر عنه بالماهية ، وهكذا الحال في الجمادات . وأمّا القضاء وهو حتمية وجود الشيء بعد تقديره وتحديده ، وذلك رهن وجود سببه التام الذي يلازم وجود المسبب على وجه القطع والبت ، فقضاؤه سبحانه عبارة عن إضفاء الحتمية على وجود الشيء عند وجود علته التامة ، قال سبحانه في مورد السماوات : « فَقَضاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ فِي يَومَيْنِ وَأَوحى فِي كُلّ سَماءٍ أَمْرَها » . « 3 » ويقول في حقّ الإنسان : « هُوَ الّذي خَلَقَكُمْ مِن طِينٍ ثُمَّ قَضَى أَجَلًا » « 4 » أيحكم حكماًحتمياً بأنّ لوجود الشيء مدّة محدّدة لا يتجاوز عنها . هذا هو معنى القضاء والقدر من غير فرق بين وجود الإنسان وأفعاله ووجود الجواهر وأعراضها ، غير انّ الجميع قبل التقدير والقضاء مكتوب في كتاب عند اللَّه سبحانه ، وقد أشار إليه الكتاب العزيز في بعض الآيات : « ما أَصابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الأَرْضِ ولا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلّا في كِتابٍ مِنْ قَبلِ أَنْ نَبْرَأَها إِنَّ ذلكَ على اللَّهِ
--> ( 1 ) القمر : 49 . ( 2 ) الحجر : 21 . ( 3 ) فصّلت : 12 . ( 4 ) الأنعام : 2 .